Diyar HERMZİ

Tarih: 09.02.2026 19:51

التوركمان في تاريخ الشرق الأوسط، الجذور والامتداد عبر العصور بحث وتقديم: ديار الهرمزي

Facebook Twitter Linked-in

يُعَدّ التوركمان جزءًا من الشعوب التركية الأوغوزية التي تعود جذورها إلى آسيا الوسطى، وقد كان لأسلافهم حضور تاريخي طويل في المناطق الممتدة من تركمنستان وخراسان إلى العراق وبلاد الشام وشرق الأناضول.

ولم يكن هذا الحضور حدثًا مفاجئًا في العصور الإسلامية، بل نتيجة حركة تاريخية طويلة من التفاعل البشري والتجاري والعسكري بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط،وهي حقيقة تناولها عدد من المؤرخين والباحثين في الدراسات القديمة والحديثة.

أولًا:
الجذور القديمة وحضارة أناو
من أقدم الشواهد الحضارية في موطن أسلاف التوركمان موقع أناو (Anau) في تركمنستان، وهو موقع أثري يعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد.

وقد كشفت الحفريات التي قادها عالم الآثار الأمريكي رافائيل بامبيلي (Raphael Pumpelly) عن وجود مجتمع زراعي مستقر مارس الزراعة وصناعة الفخار والتبادل التجاري.

تشير الدراسات الأثرية إلى أن آسيا الوسطى لم تكن معزولة عن حضارات الشرق الأدنى، بل كانت مرتبطة بشبكات تبادل قديمة امتدت إلى إيران وبلاد الرافدين.

وقد ناقش هذه الروابط عدد من الباحثين في تاريخ آسيا الوسطى مثل فاسيلي بارتولد (Vasily Bartold) ورينيه غروسيه (René Grousset)، الذين أكدوا أن طرق التجارة والهجرات ربطت بين سهوب آسيا الوسطى والمراكز الحضارية في العراق وإيران منذ عصور مبكرة.

ثانيًا:
الشعوب التركية في ظل الإمبراطوريات القديمة
قبل ظهور اسم التوركمان بصيغته المعروفة، كانت القبائل التركية وأسلاف الأوغوز ضمن الشعوب التي عاشت في أطراف الإمبراطوريات الكبرى مثل:

الدولة الميدية-
الدولة الأخمينية-
الدولة البارثية-
الدولة الساسانية)-

ويشير المؤرخ Peter B. Golden في كتابه An Introduction to the History of the Turkic Peoples إلى أن القبائل التركية كانت تتحرك باستمرار بين آسيا الوسطى وحدود إيران، وأنها دخلت في علاقات عسكرية وتجارية مع القوى الكبرى،
كما استقرت بعض الجماعات في المناطق الحدودية للإمبراطوريات.

كما يذكر بارتولد في دراساته عن تاريخ الترك أن التفاعل بين الشعوب التركية والإيرانية كان مستمرًا لقرون، وأن كثيرًا من القبائل دخلت في نظم الحكم أو خدمت في الجيوش أو استقرت في مناطق زراعية وتجارية.

ثالثًا:
التوركمان والعصر الساساني
في العصر الساساني (224–651م) ازداد حضور الجماعات التركية في أطراف العراق والجزيرة الفراتية وأذربيجان وشرق الأناضول. وقد كانت سياسة الساسانيين تقوم على الاستفادة من القبائل الحدودية في حماية الطرق والمناطق الطرفية، وهو ما أدى إلى ظهور زعامات قبلية وإمارات محلية تتمتع بقدر من الاستقلال.

وتشير بعض الدراسات التاريخية المحلية إلى وجود إمارات أو زعامات تركية في مناطق قريبة من الحيرة والجزيرة، ومن الأسماء التي تَرِد في الروايات التاريخية المحلية إمارة بانقيا التي يُقال إنها كانت تقع قرب مناطق نفوذ الحيرة، إلى جانب زعامات قبلية أخرى في الجزيرة الفراتية وديار بكر.

إلا أن التفاصيل الدقيقة عن هذه الإمارات قليلة في المصادر الكلاسيكية الكبرى، وترد غالبًا في دراسات حديثة أو في كتب تاريخ محلية، لذلك يتعامل معها الباحثون بحذر علمي ويقارنونها بمصادر متعددة.

وقد تناول موضوع الوجود التركي في العراق قبل الإسلام عدد من الباحثين المعاصرين، منهم عزيز قادر الصمانجي في كتاب التاريخ السياسي لتركمان العراق، حيث يشير إلى أن جذور الوجود التوركماني في العراق تعود إلى مراحل سابقة للإسلام، وإن كان هذا الوجود قد تعزز وتوسع في العصور اللاحقة.

رابعًا:
التوركمان والفتح الإسلامي
مع الفتح الإسلامي للعراق وفارس في القرن السابع الميلادي دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التحولات السياسية والاجتماعية.

وتذكر المصادر الكلاسيكية مثل:
الطبري في تاريخ الرسل والملوك
البلاذري في فتوح البلدان
تفاصيل الفتح الإسلامي للعراق ومناطق الجزيرة،

وتُظهر هذه المصادر تنوع الشعوب التي كانت تقيم في تلك المناطق، وإن لم تفصل كثيرًا في ذكر القبائل التركية بأسمائها.

ويرى بعض الباحثين المعاصرين أن جماعات تركية كانت موجودة في أطراف العراق وإيران قبل الفتح، وأنها دخلت تدريجيًا في إطار الدولة الإسلامية عبر التحالف أو الاندماج أو الخدمة العسكرية.

خامسًا:
التوركمان في العصرين الأموي والعباسي
في العصر الأموي ثم العباسي ازداد حضور الأتراك في الجيوش والإدارة، وخاصة منذ القرن الثالث الهجري،

حيث أصبح العنصر التركي جزءًا مهمًا من المؤسسة العسكرية. وقد ناقش هذه الظاهرة عدد من المؤرخين، منهم:

هيو كينيدي (Hugh Kennedy) في دراساته عن الدولة العباسية
كليفورد بوزورث (C. E. Bosworth) في أبحاثه عن تاريخ العالم الإسلامي

وقد أدى هذا الحضور إلى استقرار جماعات تركية في العراق والشام والجزيرة الفراتية، مما مهّد لظهور قوى تركمانية أكبر في القرون التالية.

سادسًا:
التوركمان في القرون الوسطى
ابتداءً من القرن الحادي عشر الميلادي ظهرت الهجرات الكبرى للأوغوز، وبرزت دول تركمانية قوية كان لها تأثير عميق في الشرق الأوسط، من أبرزها:

السلاجقة الذين امتدت دولتهم من خراسان إلى العراق والأناضول
الأتابكة أو ما يسمى الدولة اازنكية في الموصل وحلب بقيادة عماد الدين الزنكي. 
قره قوينلو وآق قوينلو في العراق وأذربيجان وشرق الأناضول.

وقد تناول تاريخ هذه الدول عدد من المؤرخين، منهم:
ابن الأثير في الكامل في التاريخ
رشيد الدين الهمذاني في جامع التواريخ
وهذه المصادر تعد من أهم المراجع التي وثقت وجود القبائل التركمانية وانتشارها في الهلال الخصيب والأناضول.

سابعًا:
التواجد التوركماني في الهلال الخصيب
إن امتداد التوركمان عبر العراق وسوريا والأناضول لم يكن مجرد حركة عسكرية، بل كان استقرارًا بشريًا طويل الأمد،حيث شاركوا في الزراعة والتجارة وحماية الطرق والمدن، وأصبحوا جزءًا من النسيج الاجتماعي والثقافي للمنطقة.

وقد كتب ديار الهرمزي في عدد من مقالاته عن هذا الامتداد التاريخي، مبينًا أن التوركمان انتشروا على طول خط الهلال الخصيب، وأن وجودهم كان نتيجة تفاعل حضاري طويل، لا نتيجة مرحلة واحدة أو حدث واحد.

ويرى أن دراسة هذا التاريخ ينبغي أن تقوم على الإنصاف والتمييز بين الحقائق التاريخية والتوظيف السياسي، لأن الشعوب لا تختزل في صراعات عابرة أو مواقف مؤقتة.

فلسفياً:
إن تاريخ التوركمان في الشرق الأوسط هو جزء من تاريخ المنطقة نفسها، لأن الشرق الأوسط كان دائمًا فضاءً مفتوحًا لتلاقي الشعوب والحضارات.

وقد أثبتت الدراسات التاريخية، القديمة والحديثة، أن التفاعل بين آسيا الوسطى والعراق والشام والأناضول كان مستمرًا عبر آلاف السنين، وأن الشعوب التي عاشت في هذه المنطقة أسهمت جميعها في بناء حضارتها.

ومن هنا فإن قراءة التاريخ بروح علمية منصفة تساعد على فهم الحاضر وتجنب الوقوع في التعصب، لأن الشعوب أعمق جذورًا من الأحزاب، وأبقى من الصراعات، والتاريخ في جوهره قصة الإنسان قبل أن يكون قصة السياسة.


Orjinal Köşe Yazısına Git
— KÖŞE YAZISI SONU —