عند تناول تاريخ التوركمان في العراق، يغلب على السرد التاريخي الحديث الإشارة إلى دخولهم بعد الفتح الإسلامي أو مع الهجرات السلجوقية والمغولية.
غير أن النصوص التاريخية المبكرة تكشف عن وجود توركماني أقدم في العراق، يعود إلى الحقبة الساسانية وما قبلها.
ومن أبرز الشواهد على هذا الوجود، إمارة توركمانية كانت قائمة في منطقة بانقيا (بان قيا) قرب الكوفة في النجف الحالية، والتي واجهت جيوش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد في بداية الفتح الإسلامي.
1. إمارة بان قيا /بانقيا
بان قيا كانت مدينة صغيرة تقع قرب الكوفة، ورد ذكرها في المصادر العربية والإسلامية القديمة.
أقام فيها التوركمان إمارة محلية ذات كيان سياسي وعسكري، وكان أميرها يعرف باسم باصولخان/صلوبا.
تشير المصادر إلى أن هذه الإمارة كانت موجودة منذ أواخر العصر الساساني، حيث استُخدم التوركمان كقوة حدودية للدفاع عن العراق الغربي ضد هجمات القبائل العربية.
2. المواجهة مع خالد بن الوليد
في السنة (12–13 هـ / 633–634 م)، وأثناء فتوح العراق، واجه خالد بن الوليد إمارة بان قيا.
خاض الطرفان معركة قصيرة، لكن المسلمين لم يتمكنوا من إخضاع هذه الإمارة بالقوة.
انتهى النزاع بعقد صلح مكتوب بين خالد بن الوليد والأمير باصولخان/ صلوبا.
3. وثيقة الصلح
نصت الوثيقة على:
1. دفع باصولخان/صلوبا ألف درهم كجزية سنوية.
2. التزام المسلمين بعدم الاعتداء على بان قيا وسكانها.
3. احترام استقلالية الإمارة ما دامت تفي بشروط الصلح.
هذه الوثيقة تعد من أقدم الإشارات المباشرة إلى وجود التوركمان في العراق قبل الإسلام، وتكشف أنهم كانوا أصحاب كيان سياسي معترف به حتى من قبل الدولة الإسلامية الناشئة.
4. دلالات تاريخية
يثبت هذا الحدث أن التوركمان كانوا موجودين في العراق قبل الإسلام بفترة طويلة، ولم يكونوا مجرد مهاجرين بعد الفتح.
الإمارة في بان قيا تمثل امتدادًا للسياسة الساسانية التي اعتمدت على إسكان الأقوام التوركية في العراق كقوة عسكرية دفاعية.
الصلح مع المسلمين يظهر أنهم كانوا قوة يُحسب لها حساب في المعادلة السياسية والعسكرية في مطلع العهد الإسلامي.
5. إشارات أخرى لوجود مبكر
ذكرت بعض الأخبار أن التوركمان استقروا أيضًا في ديالى والجزيرة الفراتية منذ العصر الساساني.
هناك إشارات إلى مشاركة بعضهم في الحاميات الساسانية على الحدود مع الروم والعرب.
هذا الوجود المبكر يفسر سرعة اندماج التوركمان لاحقًا في الدولة الإسلامية، ودورهم المحوري في الجيوش العباسية والسلجوقية.
المصادر والمراجع
1. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج3، بيروت، دار الكتب العلمية.
2. ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج2.
3. البلاذري، فتوح البلدان، تحقيق دي خويه.
4. زكي وليدي طوغان، تاريخ الترك في الشرق الأدنى.
5. يوسف زيدان، التركمان عبر التاريخ.
إن إمارة بان قيا التوركمانية قرب الكوفة تمثل صفحة منسية في تاريخ العراق قبل الإسلام.
فهي تكشف عن حضور سياسي وعسكري للتوركمان في بلاد الرافدين، قبل أن يدخلوا الإسلام لاحقًا ويصبحوا جزءًا فاعلًا من الحضارة الإسلامية.
التوركمان في العراق قبل الإسلام: الإمارة المنسية في بان قيا/بانقيا بحث وتقديم : ديار الهرمزي
.....
Diyar HERMZİ
21.08.2025 15:52:00
Traktör Şazi'nin maçları TRT'de yayınlansın mı?
Evet 300 Kişi
Hayır 11 Kişi



